جميع الحقوق لا يمكن حفظها
 محمد أبو رحمة  
  سيرة ذاتية  
     
   
 
ساعة بيغ بن وبرج إيفل وتمثال الحرية


محمد أبو رحمة

لم يولد غاضبا على ذمة أمه ، وان كان لم يحظ بفرصة توكيد هذه المسألة من الداية  التي نسلته من قراره المكين إلى عالم بلا قرار ؛ “عالم ليس لنا” ، قال الشهيد ، وترك لنا أن نقرر ما إذا كنا نحن له.

كما أنه عاش مع حس غائر بأنه ليس “هو الحقيقي”

هل ولدت في الرحم الصحيح؟  ، قيل أنه سأل.

هل عشت في الزمن الغلط ؟ ربما….

بيد أني قرأت ذات يوم  في كتاب العجائب:

“في مكان ما ، تعيش قبيلة تطعم الابن الأكبر للبحر كي يهدأ الأخطبوط” ، فقال  في نفسه بأنانية وغبطة:

- لست الابن الأكبر.

بعد عام واحد حصل على ساعة يد كهدية للنجاح في امتحان مدرسي،  لكنه حين سخر من غباء الأسئلة؛ لدغه عقرب الوقت.

عرف بعدها أن الوطن لا يستحق الموت دائما، ولا بالضرورة ، فلربما يستحق أكثر أن تزرع فيه الشجر، فشن بعضَه الحرب على بعضه… وكانت جرافة البولندي تغتال حقوله قبل أن تذوب في الخرافة، كسفينة ورقية.

أدمنت ، لمرحلة وجيزة كرة القدم ، ففاجأني المعلق الرياضي بمنظومة صواريخ “أرض ملعب” ، وجمهور مدجج بالأسلحة… ومن يومها تورطت في أحابيل الشطرنج.

أخطر معجزاتي كانت: نحت (ساعة بيغ بن ، وبرج ايفل ، وتمثال الحرية)، حين طلب مني معلم الفن أن أشتري النماذج الورقية، وألصقها على لوح خشبي رقيق، ثم أقوم بتفريغها، بمنشار ذي نصلة تتكسّر كرماد عود الثقاب، وعندما بذلت أكبر جهد في حياتي، من أجل تفاهة بلا معنى، حصلت على برج ايفل مائلا  كبرج بيتزا، وعلى ساعة “بيغ بن” ولكن أمامها عوارض خشبية كحظيرة أغنام، أما أقرب شكل لتمثال الحرية ، فكان بشبه ،على نحو غريب، شكل صديقي الشاعر قصي اللبدي حين وقف أمامي ذات يوم ، وقال بنظرات ثابتة كأنها منحوتة في الحجر:

-  لقد مزقت كل الكتب في مكتبتي، ولم أبق منها ولو قصاصة.

لكن الأكيد أن الفكرة التي استهوتني دائما هي فكرة أنني لم أكن “أنا الحقيقي”

حتى قادني ذاك الافتراض إلى تخيل صيغ واحتمالات عديدة لذاتي الحقيقية التي اختفت ، كما تخيلت، نتيجة خطأ في ترقيم الأسرّة في قسم الولادة.

وهكذا رأيت ذاتي رضيعا  معلقا في خرقة على ظهر راعية أغنام سودانية ، وافترضت أنها أمي، وأني نشأت ، وترعرعت محترفا في التسابق مع الغزلان ، ولهذا السبب ظَهَرَتْ عوارضُ حظيرة الأغنام أمام منحوتاتي عندما كنت طالبا، ولم أشترك في الألعاب الأوليمبية لأن سوء فهم نشأ بين فريق بحث كندي في علم الجراثيم وبين الملاريا فأصابني المرض بدلا من أن يصيب الغزال. فأكون لهذا السبب أعيش السنين الفائضة من عمري “أنا المزور” بدلا من عمري “أنا الحقيقي” .

لكني استبعدت هذا الاحتمال لا لشيء سوى أني بت مسكونا بلعبة الاحتمالات، كأكثر نجوم الدراما احترافا في تاريخ الخيال من الفن الأول حتى الفن السابع.

وهكذا تركت ذاتي ، المنقوعة بالأوبئة الكندية ،  داخل كهف في ولاية بحر الغزال ، وعدت مسرعا إلى قسم الخداج في المستشفى.

 رأيت امرأة شاحبة غاضبة  تجادل حماتها ، لأنها سمحت لسلفتها أن تعد لها طعام الولادة،  مع أنها تعرف أنها عملت لها عملا عند عراف محترف في السحر الأسود  ، ووضعته في شوربة الدجاج ولهذا السبب زادت نسبة الفلفل الأسود على الطعام كي تخفي رائحة الحجاب العفنة، وفجأة حملتني “أنا الحقيقي” ، وكنت لما أزل بعد رضيعا،  وألقتني في حضن جدتي ثم خرجت ولم تعد.

وهكذا نشأت بائعا للخضار على بسطة جدتي قرب سوق الجمعة في مخيم للاجئين مقاتلا مع وقف التنفيذ.

بدأت مشواري “الفني” سائقا لعربة (بيليا) كنت أوصل فيها بضائع المشترين إلى سياراتهم، وأعود لأستكمل نحت (ساعة بيغ بن وبرج ايفل وتمثال الحرية)!.

غاضبا من كل شيء، قارئا لكل أنواع الكتب ، وغير راض عن أي شيء ، وبالذات الفلفل الأسود.

أيام  وأيام مرت وخيالي يتقلب بين ما أشاء من احتمالات.

كنت ولدا عراقيا تطارده الصواريخ العابرة للقارات لتعلمه حرية التعبير كنت، وكنت ولدا دمشقيا علمه جده أصول العناية  بالخيول ، ثم أصيب بشلل نصفي عندما جمحت به فرس وتأخرت سيارة الإسعاف، و”أنا الحقيقي” الآن أتعلم غناء القدود الحلبية كنت، وكنت رضيعا مجهول الأصل لامرأة ورطها الموساد في خيانة المقاومة فتبناني جهاز أمن تم تركيبه على مهل استراتيجي، أو على عجل تنفيذي  وعلمني كل وسائل تعذيب المقاومين تحقيقا لمعادلة “سلام الحرير” لإنتاج عالم تحكمه دودة القز الإلهية كنت، وكنت ولدا مصريا تدرج والدي في الثراء حتى ابتلع ثلث النيل “ودلتاه” وأحلام الأسماك فيه نتيجة خطة طموحة لتحويل النهر الى ثعبان كوني  لكني ” ،مع ذلك كنت” شديد الإيمان بالله، وأرى لهذا السبب أن ” ربنا كبير يا سعادة البيه”، كنت وكنت ابنا بالتبني لعائلة تقيم في بيت مرتجل في ولاية واشنطن دي سي  ، نجوت عدة مرات من حوادث إطلاق مخدرات عشوائية في المدرسة ، ولذاك أعفاني الأستاذ من الفروض المنزلية بما فيها نحت (ساعة بيغ بن وبرج ايفل وتمثال الحرية)، بيد أني لاحقا أتقنت عزف الكمان، ثم التحقت بوكالة (السي آي ايه)، و”أنا الحقيقي” أدير الآن مختبرا سريا في الطابق السفلي من مبنى شركة لصناعة الأفلام  في هوليوود، وأشرف على فريق تم تشكيله ، بشكل كتوم ،  من علماء يعملون على  تلقيح الجين البشري بنوع من الذرات البللورية ، لإنتاج بشر شفافين كألواح الزجاج، ثم تم تمويل المشروع سرا من وراء ظهر الكونغرس ، وحين انكشف الطابق السفلي جئت إلى البلاد العربية محاضرا في حقوق المرأة ، واكتشفت ذات نبوءة زجاجية أن (المرأة الفلسطينية تعاني من قمع مزدوج من الذكر  الفلسطيني ومن جندي الاحتلال)!

أو ربما ” وتلك أغرب احتمالاتي” ربما “أنا الحقيقي” كنت “هي” ربما كنت بنتا .

 قام والدي برشوة الممرضة لاستبدالي بولد ، كي يشبع شغفه بشجرة النسب  حتى لو كانت “كأنها رؤوس الشياطين” ، وهكذا حملتني أمي المستبدلة إلى أبي المستبدل ، الذي ظل وجهه كظيما، لا لأنني بنت. بل لأنني لست جميلة في نظره ، مع أن هذه التفصيلة كانت أكثر ما رفضت أن اختلف معه عليه، إذ رأيت أنني أمتلك من خصائص الأنوثة ما هو كفيل بتحويل الحجارة إلى شعراء ، كما أتقنت بسرعة وبداهة فنون عديدة كأن أحوّل خيوط الحرير إلى قصص قصيرة ، وأن أصنع من التوت نبيذا له مذاق كعسل السحاب ، وأفوز بعدة ميداليات ذهبية في القفز الحر، صحيح أنني لم أفلح بنحت (ساعة بيغ بن وبرج ايفل و تمثال الحرية، ولكن لانها ظلت في نظري مجرد استعراض ذكوري أراد فيه الرجال أن يعالجوا تصدع أرواحهم في الحروب، ثم تأخر زواجي؛ لا لأن أخي الأكبر مات بلدغة  من زوجته على شكل سوء فهم سريري ، أو  لأن أخي الأوسط قضى أغلب عمره في المعتقل، واضطررت لتربية  أخي الأصغر كما أحب أن أقول.

لا … لا  ، في الحقيقة، تأخر زواجي لأنني ولدت بعاهة عاطفية اسمها “فارس الأحلام”.

أجل لحقيقتي احتمالات … كان أجملها على الإطلاق أن أكون “أنا الحقيقي” هو الرضيع البكر ، الذي رمته القبيلة في البحر كي يهدأ الأخطبوط ، وما أن لامس جسدي سطح البحر حتى تلقفتني الحقيقة، التي لا ينال جدارة معرفتها سوى من يقترب من الموت إلى أن يلامس حتفه، كما تلامس نحلةٌ لبَّ الوردة اليانعة.

هكذا اكتشفت أن ما في البحر لم يكن أخطبوط ، إنما “حورية بحر” هي الأجمل في تاريخ القصائد منذ أكتشف الإنسان لسانه واستنبتَ الخيال.

بل بلغ من جمالها أن من يراها يختفي لسانه أصلا  نظرا لأن طريقة التخاطب في عالمها هي  نوع من التخاطر المائي.

 إذ ما أن يفكر أحدهم في قول شيء حتى يظهر كلامه على شكل صور على جدران الماء في أعماق البحر، فما قيمة الألسنة اذا؟ وما الذي ستعنيه كل أحرف التشبيه؟ وهكذا تكون منحوتة  (ساعة بيغ بن وبرج ايفل وتمثال الحرية) مجرد كابوس راودني ذات غفوة في كهف مرجاني، لا أكثر ولا أقل ، ومن يومها و”أنا الحقيقي” أعيش في عالم اسمه روح الماء، حيث تمطر السماء فيه ريشا أبيض، كما لا يأكل الناس فيه لأنهم ولدوا بنوع من الطاقة الكامنة، وتفصل عوالمه جدران ملونة تتدفق من الأعلى كأبجدية مضيئة ، ولا يقتل فيه أحد أحدا. بل يشكوه إلى الحورية التي تجلس على عرشها العالي في روح الماء ، فتحكم على المعتدي أن يعاد إلى عالم القبيلة كي ينحت (ساعة بيغ بن وبرج ايفل وتمثال الحرية) إلى الأبد.

وما أن وصلتُ إلى تلك التفصيلة من احتمالات “أنا الحقيقي” ، في شكل كائن مائي، حتى هزني أخي الأصغر من كتفي وقال:

 - يا رجل ما بك؟ هل صرت تنام كالذئب وعيونك مفتوحة؟

ثم ألقى المذياع الصغير الذي يعمل بالبطاريات في حضني وقال:

طلبتَ مني أن أذكّرك بموعد نشرة الأخبار..

وحين ذهب اعتدلت أنا في جلستي على الكرسي الحجري في ظلال شجرة التوت ، وفتحت المذياع ، فبادرني المذيع بالقول:

- هنا لندن… إلى دقات  (ساعة بيغ بن).

 
أضيفت بتاريخ   2009/7/9 1:09 AM    
 
  تعليقات القراء (7)

1- لا أظن أن هناك من سيجد كلمات تقال أمام هذا الطوفان . المبدع محمد أبو رحمة .. ربما نخرج من كتابة كهذه ألا شيء أبداً يحد الخيال ، لاشيء أبداً يقف أمام القلم ، لا شيء أبدا يمنعنا من الحياة التي نحلم ونريد.أمتعتنا فعلاً بكتابة كالسحر أو بسحر كالكتابة . شكراكثيراً لك .

التعليق: بواسطة عائشة الشيخ 2009/7/9 1:27 PM
 
2- أخ محمد، هل عندك اصدارت؟ أتمنى لا أجد ما أطوعه، لا أعرف أين تفر وتهرب وتستحي حروفي كلما قرأت لك. تحياتي لعمقك

التعليق: بواسطة sama nasser 2009/7/11 12:23 AM
 
3- الى عائشة الشيخ لاشيء يحد القلم ...نعم كما لا حدود للخيال صحيح لكن الكثير الكثير يمنعنا أن نعبش كما نحلم أكتفي بأن أتخيل تعليقك كزهرة نادرة أورقت بين حروف نصي تحياتي لك ....

التعليق: بواسطة محمد أبو رحمة 2009/7/11 3:11 AM
 
4- الى سما ناصر لا مع الأسف لا إصدارات مطبوعة لي ... ربما أتمكن من إصدار كتاب قريبا ... لعل بعض الجهود في هذا المجال تثمر لست أدري وحين أصدره سيسرني أن أهديك نسخة منه ... لدي مدونة متكاملة على الرابط samarahmah.wordpress.com سيسرني مرورك فلعلي أمسك بحروفك الهاربة... تحياتي لك

التعليق: بواسطة محمد أبورحمة 2009/7/11 3:17 AM
 
5- كتابة متميزة باسلوب مثير موفق

التعليق: بواسطة israa 2009/7/16 12:42 AM
 
6- لو أن الذات تكتشف كل ثانية أنها ليست هي حقيقة الذات لولد من ثنايا عقارب الساعة لدغات انتصار ودقات نصر .. تحياتي لك أستاذ محمد فأنت رحمة لنا أن نقرأ لك هكذا إبداع ..

التعليق: بواسطة محمد بابا 2009/7/16 9:28 PM
 
7- Thanks for posting about this, I would like to read more about this topic.

التعليق: بواسطة How I Lost 30 Pounds in 30 Days Without Diet 2009/7/24 8:55 AM
 


أضف تعليقاً على هذه المادة

الاسم   *
 
البريد الألكتروني   *
 
الموقع الشخصي  
 
التعليق  
 
   
 
    ( * ) هذه العلامة تدل على ان بيانات الحقول مطلوبة

المقعد الفارغ
       محمد ابو رحمة     "الليلة  ستحتفي الطيور باشجار ذاكرتها العالية"، قال لي صديقي ،وكنت أحاول ان أفيق  »»
أضيفت بتاريخ   2009/6/20 11:07 PM    تعليقات (7)

سفينة الأحلام
محمد أبو رحمة لم يعد يثق بدلالة الصورة على شاشة البصر ، سنموت كلنا في النهاية خارج أعشاشنا  »»
أضيفت بتاريخ   2009/6/13 9:55 AM    تعليقات (5)

بلا ذاكرة
محمد أبو رحمة لم يتوقع أن يحدث له ما حدث له. مع أنه رجل ذو حدوس. ولا توقع أن  »»
أضيفت بتاريخ   2009/6/6 3:13 AM    تعليقات (10)

 
طربوش الأرانب
محمد أبو رحمة   " تبدأ الشيخوخة عندما تغرق حياتك في النمط " كان يكتب هذه العبارة على هاتفه  »»
أضيفت بتاريخ   2009/5/30 8:01 AM    تعليقات (7)

مشكلة ومشكلة
مشكلة... ومشكلة <!--[if !supportLists]-->·       <!--[endif]-->محمد ابورحمة مع اتساع الضغوط التي ترافقت والتغيرات الجوهرية المضطردة في شتى مناحي الحياة الاقتصادية  »»
أضيفت بتاريخ   2009/5/27 2:10 AM    تعليقات

سويلم
سويلم                                                     محمد ابورحمة   كثيرة ومليئة تلك المضامين التي تكمن في يوميات الإنسان العادي، الذي يقيم في المضمار الخلفي  »»
أضيفت بتاريخ   2009/5/27 1:53 AM    تعليقات


   أرشيف المواد
   أعضاء اتحاد المدونين

إجراءات
 
 
ارتباطات

 
 
عدد الزوار